السيد الطباطبائي
25
تفسير الميزان
فعد الاشراك ممكنا ولذلك نهى عنه ، والنهى لا يمكن الا عن ممكن مقدور بخلاف الاستكبار عن العبادة فإنه لا يجامعها . والعبودية انما يستقيم بين العبيد ومواليهم فيما يملكه الموالي منهم ، واما ما لا يتعلق به الملك من شؤون وجود العبد ككونه ابن فلان أو ذا طول في قامته فلا يتعلق به عبادة ولا عبودية ، لكن الله سبحانه في ملكه لعباده على خلاف هذا النعت فلا ملكه يشوبه ملك ممن سواه ولا ان العبد يتبعض في نسبته إليه تعالى فيكون شئ منه مملوكا وشئ ، آخر غير مملوك ، ولا تصرف من التصرفات فيه جائز وتصرف آخر غير جائز كما أن العبيد فيما بيننا شئ منهم مملوك وهو أفعالهم الاختيارية وشئ غير مملوك وهو الأوصاف الاضطرارية ، وبعض التصرفات فيهم جائز كالاستفادة من فعلهم وبعضها غير جائز كقتلهم من غير جرم مثلا ، فهو تعالى مالك على الاطلاق من غير شرط ولا قيد وغيره مملوك على الاطلاق من غير شرط ولا قيد فهناك حصر من جهتين ، الرب مقصور في المالكية ، والعبد مقصور في العبودية ، وهذه هي التي يدل عليه قوله : إياك نعبد حيث قدم المفعول واطلقت العبادة . ثم إن الملك حيث كان مقتوم الوجود بمالكه كما عرفت مما مر ، فلا يكون حاجبا عن مالكه ولا يحجب عنه ، فإنك إذا نظرت إلى دار زيد فان نظرت إليها من جهة انها دار أمكنك ان تغفل عن زيد ، وان نظرت إليها بما انها ملك زيد لم يمكنك الغفلة عن مالكها وهو زيد . ولكنك عرفت ان ما سواه تعالى ليس له الا المملوكية فقط وهذه حقيقته فشئ منه في الحقيقة لا يحجب عنه تعالى ، ولا النظر إليه يجامع الغفلة عنه تعالى ، فله تعالى الحضور المطلق ، قال سبحانه : ( أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد ألا انهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شئ محيط ) حم السجدة - 54 وإذا كان كذلك فحق عبادته تعالى ان يكون عن حضور من الجانبين . اما من جانب الرب عز وجل ، فان يعبد عبادة معبود حاضر وهو الموجب للالتفات ( المأخوذ في قوله تعالى إياك نعبد ) عن الغيبة إلى الحضور .